الدول النامية

مستهدفات طموحة للصحة العالمية

حتى تتحقق تلك المستهدفات بحلول العام 2030، يتوجب على المجتمع الدولي التركيز على تحقيقها في إفريقيا.

تبنت الأمم المتحدة أهدافاً طموحة لتحسين مستوى خدمات الرعاية الصحية في البلدان النامية، في إطار أهدافها للتنمية المستدامة لعام 2030.Li Muzi/Xinhua/Eyevine/Laif

في 23 سبتمبر 2019، اجتمع رؤساء الدول وقادة الصحة وصناع السياسات في نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأثمر الاجتماع ما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه “أكثر اتفاقات الصحة العالمية شمولاً على الإطلاق”.

ومثل الاتفاق علامة مضيئة على درب تحقيق أحد الأهداف الرئيسية للتنمية المستدامة؛ والمتمثل في ضمان تمتع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية في جميع الأعمار بحلول عام 2030. واشتمل الاتفاق على تعهد بتنفيذ تدخلات صحية عالية التأثير لمكافحة العدوى والأمراض المعدية والأمراض غير السارية، وتعزيز القوى العاملة في مجال الصحة وتطوير البنى التحتية والحوكمة. كما اتفق الموقعون على توفير التغطية الصحية الشاملة والتي تعني حصول جميع الأشخاص، بغض النظر عن قدرتهم على الدفع، على الرعاية الصحية التي يحتاجونها، متى وأين يحتاجون إليها، دون مواجهة أي مصاعب مالية.


مستقبل الرعاية الصحية

الابتكار جوهر تقديم الرعاية الصحية مستقبلاً، حيث يمكننا من الوقاية من الأمراض ومعالجة الحالات السريرية بدقة ويتيح مشاركة المريض والتنبؤ بالمسببات السلوكية والبيئية للمرض

يساعد الروبوت الجراح دافينشي 15 الطبيب الجراح أثناء عملية جراحية طفيفة التوغل. وهو يمكن الأداة المعصمية الصغيرة من أداء حركات دقيقة للغاية تحت سيطرة الجراح.سبينسر لويل / TRUNK ARCHIVE.CO
تديرها منظمة Smile Foundation غير الربحية، Smile on Wheels شاحنة رعاية صحية متنقلة تقدم الأدوية الأساسية للمسنات في شوارع مومباي، بالإضافة إلى تقديم خدمة فحص متنقلة للكشف عن فيروس كوفيد19.أشيش فيشناف / سوبا إمدجز / لايت روكيت عن طريق غيتي إمدجز
يفحص عالم أبحاث جينية حمضاً نووياً (دنا) قبل تأكيد أو استبعاد حالة وراثية يشتبه بها، أو للمساعدة في تحديد احتمالات الإصابة باختلال وراثي أو نقله. هناك أكثر من 1000 اختبار جيني قيد الاستخدام حالياً.أندرو بروكس / غيتي إمدجز
في رواندا، يتوجب على من لا يتوخون الإجراءات الاحترازية المناسبة لوقف تفشي فيروس كوفيد19، ومنها ارتداء الكمامات على نحو صحيح في الأماكن العامة، الاستماع إلى رسائل الصحة العامة في ملعب نياميرامبو في العاصمة كيغالي.اس تي ار / وكالة الأنباء الفرنسية عن طريق غيتي إمدجز

 


وإذا كان من المخطط له تحقيق هذه الالتزامات في جميع أنحاء العالم في أفق العام 2030، فيجب على المجتمع العالمي أن يبدأ بإفريقيا؛ حيث تمثل القارة، التي تحتضن 16 في المائة من سكان العالم، نحو 26 في المائة من عبء الأمراض العالمي، بينما لا تنال سوى أقل من 2 في المائة من إجمالي التمويل العالمي للرعاية الصحية. أي أن إحراز تقدم كبير في هذه القارة يعني قطع خطوة واسعة إلى الأمام، ومن هنا كان تركيز هذا القسم على إفريقيا.

سوف نتناول الحلول التي يجري تداولها للتصدي لهذه الالتزامات الجديدة التي حددتها الأمم المتحدة فيما يتعلق بخدمات الرعاية الصحية في إفريقيا، وفي بقية البلدان النامية حول العالم. ويتطلب تحقيق “تدخلات صحية عالية التأثير”، مع ضمان توفير رعاية صحية ميسورة التكلفة، جيلاً جديداً من الابتكارات الرقمية، علاوة على البحث والتطوير في مجال اللقاحات وتوفير الأدوية. وللقاحات دور إيجابي كبير، فهي تقلل من تكاليف الرعاية الصحية والأجور المفقودة نتيجة مرض العمال والعدوى التي تضعف النمو الإدراكي والجسدي للإنسان. كما أنها تؤدي إلى خفض معدلات المواليد، فلم تعد الأمهات تخشى وفيات الأطفال. ووفقاً لمعهد اللقاحات الدولي، فإن كل دولار يستثمر في تكنولوجيا اللقاح يوفر 44 دولاراً للمجتمع.


0 %

نسبة الزيادة في عدد العاملين الأفارقة ذوي المهارة في الخدمات الصحية والذين انتقلوا إلى دول أعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. المصدر: منظمة الصحة العالمية

ومن بين النتائج الرئيسية للدراسة التي أجرتها مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار حول الرعاية الصحية تبين الحاجة إلى تركيز المبادرات مستقبلاً على تدابير الوقاية من اعتلال الصحة. ولذلك، نستكشف كيف يمكن الوصول إلى المجتمعات ذات الدخل المنخفض والتي تعتمد على عدد محدود من المحاصيل الأساسية والتي تعد أشد عرضة لتبعات سوء التغذية. وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن نحو ربع سكان العالم يعانون من نقص في المعادن والفيتامينات، مما يفاقم خطر حدوث قصور دائم في النمو البدني والعقلي. ونبحث في دور علم التقوية الحيوية الجديد في الحد من آثار هذه المشكلة.

الصحة في الميزان

ما يبعث على التفاؤل هو أن متوسط العمر المتوقع في إفريقيا بمعدل خمس سنوات لكل عقد، وذلك منذ العام 2000. وفي ظل نمو اقتصادي تجاوز 5 في المائة بين عامي 2000 و2010، فإن تحسين الهياكل والنظم الصحية يؤتي ثماره. ومن المقاييس الرئيسية الأخرى معدل وفيات الرضع، الذي انخفض منذ عام 1990 بأكثر من النصف، ومعدل وفيات الأمهات، الذي انخفض بدوره بنسبة أقل من 1 في المائة سنوياً في الفترة بين عامي 1990 و2015.

لقد عاينت بنفسي كيف يمكن أن يؤدي الافتقار إلى رعاية صحية ميسورة التكلفة إلى تدمير حياة البسطاء.

د. نادين حشاش حرم د. نادين حشاش حرم
مؤسسة بروكسيمي

وصفه الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بأنه “أحد أعظم إنجازات الصحة العامة في عصرنا”. وكان شلل الأطفال البري مصدراً لفيروس شلل الأطفال، متسبباً في إصابة أكثر من 75 ألف طفل بالشلل سنوياً في منتصف تسعينيات القرن الماضي. ويعود فضل القضاء عليه إلى حملة استمرت 30 عاماً لتطعيم أكثر من 95 في المائة من سكان إفريقيا.

على أن الطريق ما يزال طويلاً أمام إفريقيا حتى تحقق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المتعلقة بالصحة بحلول العام 2030. وقد ألقى تفشي فيروس كوفيد-19 الضوء على نقاط القوة والضعف في المنظومة الصحية في إفريقيا. فعلى الجانب الإيجابي، حققت الدول الإفريقية نجاحاً لافتاً في حشد العاملين في المجتمع بغية الوصول إلى مجتمعات نائية ووقف انتشار الفيروس. ويقول الدكتور أحمد أوغويل، نائب مدير المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها: “مثّل العاملون المحليون، ذوي التدريب الجيد والخبرات العريضة في التعامل مع الأمراض المعدية، أساس استراتيجيتنا. أما سبب صرامتنا في فرض تدابير الوقاية فهو الحرص الشديد على عدم تزايد الحالات التي تستدعي الرعاية الحرجة، وبالتالي تجنب أزمات هائلة في العديد من البلدان”. أما نقطة الضعف في النظم الصحية الإفريقية فتبقى توفير الخدمات الصحية على المستوى الشامل.

فقدان المهارات

أظهر بحث نشرته اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، التابعة للأمم المتحدة، في ديسمبر 2019 أن نقص المهارات يمثل أحد أكبر العقبات التي تحول دون تطوير هياكل الرعاية الصحية. وتوصي منظمة الصحة العالمية بتوافر 23 من العاملين الصحيين المهرة لكل 10000 من السكان كحد أدنى. ولكن هذا العدد يقل في 11 دولة إفريقية عن خمسة عمال، بينما يتضاءل في النيجر والصومال لأقل من فردين. وتتفاقم المشكلة في المناطق النائية حيث يصعب جذب العمال المؤهلين للخدمة هناك. ويكشف التقرير أن النقص في المهارات يتفاقم بسبب زيادة وصلت إلى 60 في المائة في عدد عمال الصحة المؤهلين الذين يهاجرون إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

طبيب عيون في مستشفى نامبولا في موزمبيق يفحص مريضاً بعد إجراء جراحة إعتام عدسة العين. يوجد 18 طبيب عيون فقط في دولة يبلغ عدد سكانها نحو 23 مليون نسمة.تومي ترينشارد / بانوس بيكتشرز / فيسوم

كما تعد الديموغرافية العمرية لسكان إفريقيا تحدياً بدورها. فمن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان القارة بين عامي 2015 و2050، وسيكون ثلث هذا العدد أقل من 14 عاماً خلال 30 عاماً. ومع أنها أرقام من شأنها تحقيق “عائد ديموغرافي”، وتعزيز النمو الاقتصادي والإنتاجية، إلا أن هناك زهاء 60 في المائة من سكان إفريقيا الذين تقل أعمارهم حالياً عن 20 عاماً، والذين سوف يكونون بحلول عام 2050 كباراً في السن. وهي حقائق تعني أن النظم الصحية بحاجة إلى تلبية مطالب كبيرة من كلا الفئتين العمريتين. كما أن التحضر السريع الذي تشهده دول إفريقيا يثير مشكلات؛ حيث يعتمد المهاجرون إلى المناطق الحضرية على أنظمة غذائية أقل صحة، وبالتالي ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض مزمنة تحتاج إلى علاج باهظ التكلفة، بينما يعيشون في خضم زحام خانق، وغالباً ما تفتقر مساكنهم إلى بنية تحتية سليمة.

تكلفة الرعاية

تقول أحدث الأرقام بأن هناك فجوة في تمويل الرعاية الصحية في دول القارة تبلغ حالياً نحو 66 مليار دولار سنوياً. وهي عقبة كؤود أمام تحقيق رعاية صحية شاملة ميسورة التكلفة بحلول عام 2030. وفي المتوسط، تتم تغطية 36 في المائة من الإنفاق على الرعاية الصحية في إفريقيا من أولئك الذين يحتاجون إلى العلاج الطبي، مقارنة بنسبة 25 في المائة في الدول متوسطة الدخل. وترتفع هذه النسبة إلى 70٪ في دول مثل الكاميرون وجزر القمر وغينيا الاستوائية ونيجيريا. وتغطي الحكومات المحلية أو المساعدة الخارجية أو الإنفاق الخاص المدفوع مسبقاً في نوع من التأمين الصحي باقي التمويل. والنتيجة الحتمية هي أن الذين يحتاجون العلاج أكثر من غيرهم هم الأقل قدرة على تحمل تكاليفه.

قفزة تطوير

كثيراً ما نستخدم مصطلح “قفزة نوعية” عند الحديث عن تقديم الرعاية الصحية في دول العالم النامي. وهو اختصار للاستفادة من تكنولوجيا الرعاية الصحية الرقمية في تعويض عن أنظمة الرعاية الأولية التقليدية المتداعية.

أصل المصطلح هو الطريقة التي أسهمت بها تكنولوجيا الهواتف المتحركة في سرعة تطوير البنى التحتية لخطوط الهاتف الثابت في إفريقيا وآسيا. والفكرة جذابة، بمثابة حل سحري يعتقد كثيرون أنه سيسرع بتضييق الفجوة في العدالة الصحية العالمية. وراقت الفكرة لعدد كبير من شركات التكنولوجيا وجذبتها إلى مجال الرعاية الصحية، وكان لكثير منها أثره الإيجابي في تقديم الخدمات الصحية.

صبي فقد ساقه في حادث مروري يشاهد طابعة ثلاثية الأبعاد تنتج مقبساً تعويضياً لأجله في مستشفى CoRSU في كمبالا، أوغندا.جيلكا كولاتش / فيسوم

على أن هناك عقبات كبيرة يجب التغلب عليها. وتظهر أحدث أرقام البنك الدولي أن نصف السكان في دول جنوب الصحراء يفتقرون إلى خدمات الكهرباء. وفي المجتمعات الريفية النائية، يكون الحل في تطوير شبكات صغيرة متصلة بمصادر الطاقة المتجددة. ويقوم بنك التنمية الإفريقي بتطوير هياكل تمويلية جديدة لدعم الشركات التي تقدم حلولاً للكهرباء خارج الشبكة التقليدية، حيث تعتمد على الطاقة الشمسية إلى حد كبير بدلاً من محاولة توسيع نطاق الشبكة الحالية. ولدى إثيوبيا مثلاً خطط طموحة تستخدم شبكات الطاقة المتجددة اللامركزية في المناطق النائية، بينما تبنت كينيا تنفيذ محطات الطاقة الحرارية الأرضية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية لزيادة نسبة المستفيدين من الكهرباء من 20 في المائة من السكان في العام 2002 إلى 75 في المائة في العام 2018.

أما التحدي الآخر في البيئات منخفضة الموارد، عندما يتعلق الأمر بتطبيقات الرعاية الصحية عن بُعد الأكثر تقدماً، فهو سرعات الاتصال بالإنترنت الضعيفة والمناطق الخالية من تغطية شبكات الهواتف المتحركة. ولكن هناك حلول يجري العمل عليها حالياً. ففي يوليو 2020، أطلقت جوجل وتيلكوم كينيا مشروع Loon؛ وهي مبادرة تتيح بث الإنترنت عالي السرعة من أسطول من بالونات الهواء الساخن على ارتفاعات عالية تغطي مساحة 80.290 كيلومتراً مربعاً في مناطق وسط وغرب كينيا، ومنها العاصمة نيروبي. وتكلفة هذه المبادرة أرخص من تكاليف مد الكابلات أو بناء الأبراج الخلوية، ويراقب مقدمو خدمات الاتصالات الآخرين مدى نجاحها.

رعاية جراحية

حتى في ظل وجود تغطية للهاتف المتحرك، فلا تزال حلول الرعاية الصحية عن بعد المتطورة قيد التنفيذ. وفي عام 2016، رأت جراحة التجميل د. نادين حشاش حرم أن تجمع بين خبراتها الجراحية في الخدمة الصحية الوطنية بالمملكة المتحدة وعملها الخيري، للمساعدة في تعويض النقص العالمي في الخبرات الجراحية. وهكذا، أسست “بروكسيمي” Prox­imie، التي تنشط اليوم في أكثر من 35 دولة، وهي منصة تمكن الجراح الخبير من الانتقال افتراضياً إلى أي عيادة ببساطة عن طريق الهاتف أو الكمبيوتر اللوحي أو الكمبيوتر للتفاعل وتقديم المساعدة للعمليات الجراحية. تقول حشاش حرم: “يسمح التطبيق لشخصين في مواقع نائية بالتفاعل افتراضياً بطريقة تحاكي ما يختبرانه في حال كانا في نفس غرفة الجراحة معاً. لقد عاينت بنفسي كيف يمكن أن يؤدي الافتقار إلى رعاية صحية ميسورة التكلفة إلى تدمير حياة البسطاء، وهذه التكنولوجيا جزء من الحل”.

وتعني قدرة التكنولوجيا على العمل في نطاقات منخفضة إمكانية استخدامها في الأماكن منخفضة الموارد وكذلك في المستشفيات المتطورة. وفي مبادرة حديثة، تمكن أحد رواد طب الأنف والأذن والحنجرة في شيكاغو من توجيه جراحين في إثيوبيا داخل غرفة العمليات، وهو ما أدى إلى زيادة حصيلة المهارات وارتفع عدد الجراحين القادرين اليوم على إجراء عمليات الأنف والأذن والحنجرة في إثيوبيا من جراح واحد إلى ستة.

كما تساعد الحلول الرقمية في تغطية نقص مهارات الخدمات الصحية في نقاط أخرى. وفي تنزانيا، حيث يوجد طبيب واحد لكل 25 ألف شخص، يستخدم تطبيق هاتف ذكي مجاني ناطق باللغة السواحيلية الذكاء الاصطناعي في تمكين المريض من تسجيل الأعراض والحالات الطبية الموجودة مسبقاً. حيث يحاور تطبيق التشاتبوت المريض باللغة السواحيلية ويقدم له التشخيص والعلاج المقترح. ويتحدث بالسواحيلية 100 مليون شخص في شرق إفريقيا، لذلك يأمل التطبيق في زيادة حجم التغطية لتشمل جميع أنحاء المنطقة.

بينما يرى الدكتور أحمد أوغويل، نائب مدير المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أن تكنولوجيا الهواتف المتحركة تعمل على إتاحة تقديم الخدمات الصحية في إفريقيا لأعوام عدة: “أحد الأمثلة على ذلك هو الطريقة التي استخدمت بها مؤسسة الأبحاث الطبية الإفريقية التكنولوجيا المتنقلة لفترة طويلة في بناء كفاءات عاملي الخدمة الصحية لدينا ولتوفير المعلومات لهم في المرافق الصحية. إنها أداة تُستخدم في توزيع رسائل SMS بدلاً من المستوى الذي يتم استخدامه في أي مناطق أخرى بالاستعانة بـ GPS”.

خطوات طبية إلى الأمام

لا يقتصر التطور التكنولوجي على التقنية الرقمية. يقول جيمي باي نيشي، مدير التحالف العالمي لتقنيات الصحة GHTC والذي يضم 30 مؤسسة تعمل على المسارعة بتطوير الأدوية واللقاحات وخدمات التشخيص الطبي في دول العالم النامي: “ننظر إلى المناطق التي تعاني أكبر حالات فشل السوق، وغالباً ما يتعلق الأمر بأمراض السل والملاريا والإيدز وأمراض المناطق المدارية المهملة، والعدوى الناشئة بطبيعة الحال”.

ويتمثل دور هذا التحالف في تشجيع الاستثمار الحكومي العام وتبني حلول السياسات للنهوض بالبحوث الصحية العالمية والتنمية، ومنها تحسين آليات تقديم العلاجات الدوائية في الأماكن منخفضة الموارد. يقول باي نيشي: “لقد عمل بعض شركائنا على توفير أدوية ملائمة للأطفال وتعالج السل والملاريا. وكان ذلك بعد إدراك أن مذاق أدوية السل سيئ للغاية بالنسبة لطفل وأن حصولهم على الجرعات المناسبة مشكلة كبيرة بحق. وكانت عملية إعادة صياغة تركيبة دواء حتى نتمكن من تقليل جرعاته وجعل مذاقه مقبولاً بمثابة تغيير حقيقي وإيجابي بالنسبة للأطفال المصابين بالسل”.

ينادي التحالف وشركاؤه حالياً بإيجاد حلول لتوفير دواء ريمديسيفير، وهو دواء إيبولا الذي صار يستخدم لعلاج فيروس كوفيد-19. يقول باي نيشي: “لن ينجح أسلوب التنقيط الوريدي في بيئة منخفضة الموارد. نحن بحاجة إلى شركاء للتفكير في كيفية الحصول على الدواء في شكل أقراص أو استنشاق وبحيث يكون مستقراً في ظروف الحرارة المترفعة ولا يتطلب التبريد”.

 

في المستشفى الوطني في كوتونو، بنين، تجري أبحاث حول مرض السل. ويُستخدم الاختبار الجزيئي في تشخيص هذا المرض شديد العدوى.يانيك فولي / غيتي إمدجز

دوماً ما يمثل التوصيل الآمن للقاحات والأدوية تحدياً في الدول النامية. فيجب تخزين معظم اللقاحات في درجات حرارة تتراوح بين 2 و 8 درجات مئوية، وغالباً ما تكون درجات حرارة التخزين شديدة البرودة هذه مشكلة أكبر من تلفها نتيجة ارتفاع الحرارة. وكشفت مراجعة أجرتها مجلة Vac­cine عام 2018 عن أن 37 في المائة من اللقاحات في الدول منخفضة الدخل تتعرض لدرجات حرارة أقل من النطاقات الموصى بها أثناء التخزين. وهنا تبرز أهمية أجهزة الاستشعار القادرة على مراقبة درجة الحرارة والرطوبة وتخزين المعلومات في سحابة إلكترونية، فهي تلعب دوراً محورياً في تطوير سلاسل التوريد لحماية جودة اللقاحات.

الوقاية قبل العلاج

من المشاكل الأخرى انخفاض المناعة ضد المرض نتيجة سوء التغذية. ومن أوجه التقدم التكنولوجي التي يعتقد كثيرون أن لها تأثير كبير على الوقاية من الأمراض ما يسمى “التقوية البيولوجية”. وهي تقنية لم تكن موجودة قبل 20 عاماً، وتعد ثمرة علم تحسين الجودة الغذائية للمحاصيل غير المعدلة جينياً.

تقول جين فولي، كبيرة مديري البرامج في Har­vest­Plus الذي يقود جهوداً عالمية لحلول سوء التغذية: “إنها في الأساس عملية توفير المغذيات الدقيقة لصغار المزارعين والسكان الأشد احتياجاً من خلال المحاصيل والأغذية التي يتناولونها يومياً بالفعل. وهكذا يمكنهم أن يزرعوا سنوياً محاصيل غنية بالعناصر الغذائية، من دون أي تكلفة إضافية عليهم”.

يتيح تطبيق Proximie للجراحين التعاون عن بُعد عبر تقنيات الصوت والفيديو والواقع المعزز. ويعمل البرنامج حتى في نطاق ترددي ضعيف ووقت استجابة منخفض.بروكسيمي

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 مليون شخص في جميع أنحاء العالم يستفيدون حالياً من الأطعمة المصنعة من المحاصيل المدعمة بيولوجياً. وفي أغسطس من هذا العام، أعلنت ولاية بيهار، ثالث أكبر ولاية في الهند من حيث عدد السكان، عن خطط لزيادة إنتاج القمح المدعم بيولوجياً بعنصر الزنك. حيث يعد نقص الزنك سبباً رئيسياً في توقف النمو البدني ووفيات الأطفال وكذلك تعرض الأشخاص لأمراض الإسهال والملاريا والتهابات الجهاز التنفسي. ومن شأن المبادرة الحكومية أن تزيد من توافر عنصر الزنك لملايين الأسر المحتاجة من الناحية التغذوية في ولاية يأتي دخل الفرد فيها بين الأدنى في البلاد. كما توفر مبادرات التقوية الحيوية الأخرى في دول إفريقيا والهند وآسيا وأمريكا اللاتينية المغذيات الدقيقة مثل الزنك والحديد أو فيتامين أ في الذرة والأرز والبطاطا الحلوة والقمح والفول والدخن والكسافا، من بين محاصيل أخرى.


0 %

في المائة من اللقاحات تتعرض للتلف بسبب تخزينها في درجات حرارة خلاف الموصى بها.   المصدر: مجلة Vaccine

وفي عام 2019، نشرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة تقريراً مشتركاً مع Har­vest­Plus يحدد فوائد هذه الاستراتيجية التي ما تزال جديدة نسبياً. وخلصت إلى أن “التقوية البيولوجية نهج زراعي فعال من حيث التكلفة وقائم على الغذاء ويراعي تحسين مستوى التغذية”. وأدرج برنامج الأغذية العالمي تلك المحاصيل المدعمة بيولوجياً في إرشاداته بشأن مشتريات برامج الإغاثة الغذائية.

ترى فولي أنه بينما استغرق العلم خمسة عشر عاماً ليثبت دوره في هذا المجال، فإنه اليوم عند نقطة تحول: “يوجد الآن ما يقرب من مائة استراتيجية عالمية وإقليمية تعتمد التقوية البيولوجية. لذا نعتقد أننا وصلنا نقطة مهمة تتيح لنا التوسع في التطبيق بدرجة متسارعة”.

دعوة إلى إحداث تأثير
1 يجب توفير تقنيات مثل أجهزة الاستشعار وتخزين البيانات في السحابة الإلكترونية لسلاسل توريد اللقاحات، لضمان تخزين المزيد من اللقاحات في الظروف الصحيحة. 2 يجب إيجاد حلول مبتكرة تساعد في التغلب على صعوبات تقديم الرعاية الصحية في المناطق التي تضعف فيها تغطية الهاتف المتحرك. يجب تبني سياسات ترمي إلى التوسع في المحاصيل المعززة بالتقوية الحيوية، لدورها في الوقاية من الأمراض بتعزيز المناعة.
اقرأ الموضوع التاليرعاية صحية ميسَّرَة