الدول المتقدمة

الوصفة السليمة

...التحديات أمام منظومات الرعاية الصحية تحت الضغط وما هو متاح من حلول. في البلدان المتقدمة، أمست جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) أقوى رسالة تحذيرية تُنذر بضعف ووهن سُبل التحصُن والتصدي لحالات تفشي الأمراض المُعدية.

يُعاني 75٪ من البالغين في المكسيك من زيادة الوزن أو السمنة المُفرطة، ويلجأ ضباط الشرطة في مكسيكو سيتي إلى الانضمام في برنامج تدريبي لخسارة بعض الوزن.رودريجو أرانغوا / غيتي إمدجز

ورغم الأثر الكارثي المُدمر الذي خلفته هذه الجائحة، لا تزال وطأة الأمراض غير المُعدية المتزايدة ونظم الرعاية الصحية غير المُستعدة للتعامل مع مثل هذه الأمراض تُمثل تحدياً رئيسياً طويل المدى في مجال الصحة. بيد أن هناك جانب إيجابي يُشير إلى أن الناس يعيشون لفترات أطول رغم ما يُعانونه من أمراض مزمنة متعددة في كثير من الأحيان. لكن على الجانب الآخر، تتسبب عادات مثل قلة الحركة واكتساب الوزن الزائد وإتباع أنظمة غذائية غير صحية وتناول المشروبات الكحولية والتدخين في زيادة معدلات الإصابة بالأمراض “المرتبطة بنمط الحياة” مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسرطان ومرض السكري من النوع الثاني.

ووفقاً لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، تزداد معدلات الإصابة بالسمنة المُفرطة وتتسبب زيادة الوزن أو البدانة في وفاة حوالي 2.8 مليون شخص سنوياً. والجدير بالذكر أن هذه المشكلة لم تعُد تنحصر فقط على البلدان المُتقدم، بل ظهر ارتفاع في معدلات الإصابة بالسمنة في البلدان النامية أيضاً نتيجة لزيادة الطلب على المنتجات الغذائية على غرار النمط الغربي بعد ما شهدته هذه البلدان من نمو اقتصادي. وتكشف أرقام البنك الدولي المُعلنة أن الأمراض المُرتبطة بالسمنة أصبحت ضمن أخطر ثلاثة أمراض تتسبب في أعلى معدل وفاة في معظم البلدان، وأن الأمراض غير المعدية هي المسؤولة بصورة عامة عن 70% تقريباً من نسبة الوفيات في العالم.

قد يحد النظام الغذائي الصحي من معدل الوفيات بما يُعادل 20% إلى 24% سنوياً.

المصدر: لجنة إيت لانسيت (EAT-Lancet)

ولعل المأسوي في الأمر أن هناك فرصة للحول دون ارتفاع معدلات الوفيات هذه، وهو ما يحث على ضرورة إعادة النظر في المفاهيم الأساسية للرعاية الصحية التي صُممت أغلبية نُظمها للتدخل في مرحلة ظهور الأعراض المرضية على المرضى ولتقديم الحلول العلاجية التي “تتناسب مع جميع الحالات المرضية المُماثلة”. ووفقاً لما خلصت إليه نتائج أول دراسة أجرتها مؤسسة “مبادرة مستقبل الاستثمار” حول الرعاية الصحية (انظر الصفحات 44–49)، فإن التركيز على الاستثمار في الوقاية من الأوبئة هو الإجراء الأكثر فعالية الذي يُمكن أن تُطبقه البلاد لتفادي انتشار حالات الإصابة بالأمراض المُعدية. أما في حالات الإصابة بالأمراض غير المُعدية، فإن التحول من نمط الرعاية الصحية القائم على العناية بالمرضى وتوفير العلاج إلى نمط الوقاية من الأمراض والتنبؤ بها هو السبيل المناسب لتحسين النتائج وخفض التكاليف الإجمالية المُتكبدة.

تغيير النهج

تُعد الأمراض غير المُعدية أبرز مُسبب لظهور حالات الاعتلال في الدول المتقدمة رغم تزايد الإمكانات المتاحة للوقاية من الإصابة بها. ووفقاً لدراسة أجراها رامون مارتينيز وآخرون (The Lancet, 2020)، ظهر ارتفاع ملحوظ في عدد الوفيات في الفترة بين عامي 1990 _ 2017 نتيجة للإصابة بالأمراض غير المعدية التي يُمكن تجنب الإصابة بها على مستوى العالم بنسبة تُقدر بنحو 50% ليتراوح عدد الوفيات بين 23 مليوناً وأكثر من 34 مليون حالة وفاة. ويرجع السبب في ذلك إلى اعتماد العديد من نُظم الرعاية الصحية على نمط يقوم على التعامل مع المشكلات الصحية عوضاً عن تجنبها أو تفاديها. بيد أن هذا النهج أثبت عدم كفاءته مع تفاقم مشكلات وأعباء الأمراض غير المعدية. وفي الوقت الراهن، تبذل نُظم الرعاية الصحية في البلدان المُتقدمة قصارى جهدها للتعامل مع قضايا تلبية الاحتياجات المتزايدة والتكاليف الباهظة. ووفقاً لما جاء عن منظمة الصحة العالمية، أنه بحلول عام 2017 بلغ معدل الإنفاق في قطاع الصحة في البلدان ذات الدخل المرتفع ما يقرب من 3000 دولار للفرد الواحد، أي ما يُعادل أقل بقليل من 8% من إجمالي الناتج المحلي مع وجود احتمال ضئيل لارتفاع هذا المعدل في المستقبل.

وعليه، طالب خبراء الصحة العامة بالتغيير الجذري. وفي هذا الصدد، قال والتر ويليت، أستاذ علم الأوبئة والتغذية في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد “ركزت نظم الرعاية الصحية في الغرب معالجة نتائج إتباع الأنظمة الغذائية الفقيرة وقلة الحركة والخمول بدلاً من بذل المزيد من الجهد في التعامل مع سبل الوقاية من نتائجها الوخيمة.”، ويُضيف “يوجد عدد محدود من الأماكن التي تتجه نحو استخدام نمط مختلف، بيد أن نمط النظام الذي نعمل وفقاً له غير منطقي حقاً. وعلاوة على ذلك، تكاد تخلو برامج تدريب الأطباء تقريباً من مناقشة القضايا المرتبطة بالتغذية.”

أعباء متفاوتة

تزداد أعداد المُستجيبين لدعوات تناول الأغذية الصحية، بيد أنها تميل إلى الاقتصار على أصحاب الدرجات العلمية العليا، كما يقتصر شراء المنتجات الصحية على أصحاب الدخل المرتفع. وهذا يُفسر تأثير الأنظمة الغذائية الفقيرة، إلى جانب أمور أخرى مثل السكن غير اللائق ومعدلات التدخين المرتفعة، على ظهور فوارق زمنية كبيرة في متوسط العمر المتوقع بين الأغنياء والفقراء داخل حدود الدولة الواحد. ومثال على ذلك، يبلغ فارق العمر المتوقع بين أغنى المناطق وأفقرها في إنجلترا ما يقرب من عشر سنوات بين الرجال وثماني سنوات بين النساء.

شهد سوق بيع نباتات الميكروجرين ازدهاراً سريعاً، وتُجرى الآن العديد من الأبحاث لاستخدامها كأغذية وظيفية في نظام غذائي صحي يقي من الإصابة بالأمراض.أولي ميلينجتون / غيتي إمدجز

تدخل أقل المواد الغذائية ثمناً ضمن أكثر المواد الغذائية الضارة على الصحة، مثل النشا والسكر. لذلك، كان لابد لنا من حث المزيد من الناس على تغيير سلوكياتهم الغذائية. وفي هذا يقول ويليت “هذا تحد كبير. ويرجع السبب في ذلك إلى الأرباح الضخمة التي تُحققها صناعة المواد الغذائية عن طريق بيع المنتجات التي يدخل في تصنيعها النشا والسكر والتي تُشكل بآلاف الطرق المختلفة”، ويُضيف “إنهم ينفقون المليارات سنوياً على تسويق المنتجات داخل الولايات المتحدة الأمريكية فقط. وهذا يُشكل تحدياً كبيراً أمام الجهود المبذولة في مساعدة الناس على إتباع نظام غذائي صحي.”

رغم ذلك، لا تزال هناك فرصة لإعادة توازن النظام بسهولة عن طريق خفض أسعار المواد الغذائية الصحية مثل الفاكهة والخضروات والحبوب الكاملة. ولتحقيق ذلك لابد أن يتمكن قطاع الصناعة من تخصيص موارد ضخمة لتصنيع منتجات غذائية مثل اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان بأسعار ميسورة وفي المتناول الجميع. وبهذه الطريقة تتغير عادات المستهلكين كما هو الحال في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية حيث انخفض معدل استهلاك اللحوم الحمراء وصرح ثلثا المستهلكين الأمريكيين بإنهم يأكلون الآن كمية أقل من نوع واحد على الأقل من أنواع اللحوم.

ركزت نظم الرعاية الصحية في الغرب على التعامل مع عواقب إتباع الأنظمة الغذائية الفقيرة وقلة الحركة والخمول.

والتر ويليتوالتر ويليت
أستاذ علم الأوبئة والتغذية في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد

ويصف ويليت هذا التوازن قائلاً “إنه توازن دقيق”، ويُضيف “بات بحوزتنا الآن دليل على مقدرتنا على إحداث تغييرات كبيرة يرجع جزء منه إلى مستوى التعليم والوعي، والآخر إلى تحديد الأسعار. لكن لتحقيق تغيير أكثر فاعلية، لابد من دمج تلك الأجزاء”.

قد يسهل استمالة الأجيال الشابة عن غيرهم إلى إتباع الأنظمة الغذائية الصحية مع انتشار الأنظمة الغذائية النباتية و“النباتية المرنة” وسط تزايد موجات القلق بشأن دعوات الرفق بالحيوانات والأثر البيئي لصناعة الأغذية. ومثال على ذلك، تُطلق حركة “لا لتناول اللحوم أيام الإثنين” مبادرات في أكثر من 40 دولة. وعلاوة على ذلك، ترى قطاعات في مجال صناعة الأغذية فرصاً هائلة في تناول الأغذية الصحية. ويقول ويليت في ذلك “بات قسم الأغذية الصحية هو القسم الأسرع نمواً في قطاع بيع الأغذية بالتجزئة والمطاعم في السنوات الأخيرة”. ووفقاً لما أعلنه جمعية الصناعات الغذائية الأمريكية، ارتفعت معدلات بيع المنتجات النباتية البديلة للحوم إلى أعلى من 19% في عام 2018 وبلغت مبيعاتها 878 مليون دولار.

ووفقاً لما هو موضح في تقرير لجنة إيت لانسيت “EAT-Lancet” الصادر عام 2019، والذي شارك في كتابته ويليت، يُمكن لتغيير العادات الغذائية أن يعود بالكثير من المنافع العظيمة. وحول هذا التقرير يُعلن ويليت قائلاً “استخدمنا ثلاث طرق مختلفة لحساب عدد الوفيات المبكرة التي يُمكن الحد منها في حال اعتمد الجميع على نظام غذائي صحي، وتوصلنا جميعاً إلى رقم مماثل وهو ما يقرب من 11 مليون حالة وفاة سنوياً. ويُمثل هذا الرقم حوالي 20- 24% من إجمالي عدد الوفيات، وإذا أُضفيف إلى هذه النظام الصحي المزيد من النشاط البدني، سيؤدي ذلك إلى مزيد من الانخفاض في معدل الوفيات وهو ما يُشير إلى الأثر الكبير المحتمل لإتباع نظام غذائي صحي.”

فعالية البيانات

تظل اليابان دائماً على مقربة من قمة جدول ترتيب الدول وفقاً لمتوسط العمر المتوقع. ومن المعتقد أن نظامها الغذائي هو أحد الأسباب الرئيسية في ذلك حيث تُصدر الحكومة اليابانية _ كالعديد من الحكومات الأخرى_ إرشادات غذائية صحية توصي بتناول مواد غذائية صحية مثل الحبوب والخضروات والفاكهة يومياً بالإضافة إلى إرشادات غذائية أخرى. لكن بالطبع توجد أسباب أخرى ترفع متوسط العمر المتوقع في اليابان وتضعها بين الدول أصحاب أعلى متوسط عمر متوقع في العالم.

تستخدم اليابان التكنولوجيا في التصدي للتحديات التي تواجه قطاع الرعاية الصحية عن طريق الاستثمار في صناعة الروبوتات لتوفير المساعدة لفرق التمريض، والاستثمار أيضاً في تكنولوجيا صناعة الروبوتات القابلة للارتداء لمساعدة المرضى المسنين على الاعتماد على أنفسهم في تدبير أمر حياتهم والبقاء في منازلهم، وهو الأمر المتوقع من دولة كهذه تشتهر بالتقدم الهائل في مجال التكنولوجيا. وإلى جانب ذلك، يترقب الكثير من الناس دخول تقنية الواقع الافتراضي في مجال الرعاية الصحية بوصفه جزءاً لا يتجزأ من برامج التعليم والتدريب وإعادة التأهيل وخدمات الصحة العقلية.

وفقاً لأبحاث منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مُضاعفة ما تستثمره دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أنظمة المعلومات الخاصة بها من شأنه أن يُحقق ثلاثة أضعاف العائد.

وفي شأن هذه التقنية يقول توموهيرو كورودا، أستاذ جامعي في كلية المعلوماتية الطبية في مستشفى جامعة كيوتو “تتميز هذه التقنيات بالكثير من الإمكانات. ومثال على ذلك تقنية الواقع الافتراضي التي لجأنا إلى استخدامها عوضاً عن التدريب العملي على علم التشريح خلال فترة جائحة كورونا (كوفيد19) لعدم مقدرة الطلاب من الحضور إلى كلية الطب بالجامعة”، ويُضيف “بالطبع، لا يمكن أن تحل محل كل شيء، لكنني أعتقد أنها ستُصبح أداة قوية للغاية. فهذه الأداة يمكن استخدامها لتقييم مستوى مهارة الطبيب الجراح قبل شروعه في ممارسة جراحة سريرية حقيقية. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد استخدام آخر ناجح يُساعد عائلات مرضى الخُرف على فهم ما يُعاني منه مرضاهم.”

وفرة البيانات – الرعاية الصحية الفردية

تدخل البيانات الضخمة في مجال الرعاية الصحية بوصفها أحد المجالات الواعدة المستخدمة في رصد فعالية مبادرات الصحة العامة أو الارتقاء بمستوى فهم الروابط بين النتائج الصحية والسلوكيات، أو مقارنة بيانات الأحماض النووية والسجلات الصحية مجهولة المصدر لدراسة الروابط بين المرض والمتغيرات الجينية.

تُعد اليابان إحدى الدول التي تُعيد تنظيم نظامها الصحي عن طريق استخدام البيانات الضخمة في المساعدة على تجهيز نُظم رعاية صحية تتميز بالمزيد من التخصص ولا تتبع نهج “حل واحد يُناسب الجميع”. وفي الآونة الأخيرة، أصدرت اليابان تشريعاً يسمح بإخفاء هوية البيانات الصحية الشخصية المُستخدمة في الأغراض العامة وذلك عن طريق جمع هذه البيانات وإخفاء هوية أصحابها ومن ثم تقديمها للمؤسسات بما في ذلك مؤسسات القطاع الخاص بغرض استخدامها للإعلان عن التطوير الذي يطرأ على مجال العلاجات والأدوية المستحدثة.

وفي ذلك يقول كورودا “تتولى الهيئة الموكلة بجمع البيانات بمقارنتها لتوفير سجل للشخص، ثم إخفاء هويته عند تقديم هذا السجل إلى شركات القطاع الخاص أو الحكومات المحلية أو مراكز الأبحاث الجامعية”. والجدير بالذكر أن مثل هذه البيانات من الهيئات الطبية وأيضاً من المؤسسات التي تمتلك بيانات تتعلق بالصحة. وهذا يعني أن البيانات تخرج في الأغلب من المستشفيات، بيد أن الحكومات المحلية تحتفظ أيضاً بمثل هذه البيانات مثل الفحوصات الصحية على سبيل المثال.

يستخدم الحاسب الآلي الياباني العملاق فوجاكو "Fugaku"، المُصنف بكونه الأسرع في العالم، في اكتشاف الأدوية المُستحدثة ودعم الطب الشخصي والطب الوقائي.إس تي آر / وكالة جيجي للأنباء / غيتي إمدجز

تلعب فنلندا وإستونيا دوراً ريادياً في استخدام البيانات الصحية مجهولة الهوية، حيث أنشأت إستونيا المؤسسة التطوعية “بنك الجينات” التي تخدم إلى الآن 5% من السكان. بيد أن مثل هذه المبادرات ليست بمنأى عن الخلاف. وفي ذلك يقول جينتا كاتو، أستاذ جامعي مساعد وأحد زملاء كورودا “بدأت الحكومة اليابانية في جمع بيانات مطالبات التأمين منذ حوالي عشر سنوات، لكن في البداية وضعت الحكومة قيود على الوصول إلى هذه البيانات.”، ويُضيف “لكن، بمرور الوقت غيرت الحكومة وجهة نظرها وسمحت للباحثين في القطاع الخاص.” يخضع التشريع للمراجعة كل ثلاث سنوات. وترتفع معدلات قبول السياسة بين المواطنين اليابانيين حيث يمكنهم رؤية الفوائد المحتملة. وفي ذلك يقول كورودا “يسمح أغلبية زائري المستشفى باستخدام بياناتهم بهدف المساهمة في تقدم المجال الطبي.”، ويُضيف “الأهم من ذلك أن لكل شخص الحق في الانسحاب وعدم المشاركة ببياناته، لكن على حسب تجربتنا لا ينسحب سوى نسبة ضئيلة تُعادل أقل من 1% فقط ويدل هذا على الكثير.”

يعيش في اليابان نسبة من المُعمرين الأكبر سناً في العالم الذين تتجاوز أعمارهم المائة عام ويبلغ عددهم 80.450 معمراً. وتستمر الزيادة في أعداد هؤلاء المعمرين لتبلغ 9.176 منذ العام 2019.

المصدر: وزارة الصحة اليابانية

من الضروري أن تتسم البيانات بالاتساق والتنظيم والتفصيل والشمولية حتى يمكن دمجها مع مجموعات البيانات الأخرى لتوفير رؤى وأفكار أعظم بكثير من تلك التي يُمكن استخلاصها من دراسة واحدة. ويصف كاتو البيانات قائلاً “هذا ما يمنحها قيمة كبيرة”، ويُضيف “تحتاج البلدان الأخرى التي تتطلع إلى استخدام بيانات الرعاية الصحية لتحسين مجال الرعاية الصحية لديها، إلى التأكد من جمع هذه البيانات بطريقة منظمة ومن التغطية الصحية الشاملة حتى تُجني ثمارها الأجيال القادمة.”

تغيير الاتجاه

تغيرت العديد من القطاعات بعد استخدام التقنيات الحديثة، لكن ظل تغير قطاع الرعاية الصحية بطيئاً نسبياً لأسباب عديدة. وفي هذا الشأن يقول كلود كليمان، مدير مؤسسة بيوالبس “BioAlps” التي تعمل في دعم مجموعات متزايدة من شركات ومؤسسات علوم الحياة في غرب سويسرا “تأخرنا في تطبيق بعض التقنيات لوجود كافة أشكال العوائق والقضايا التنظيمية المتعلقة بالموافقة والسداد.، ويُضيف “علاوة على ذلك، العاملون في مجال الصحة متحفظون وحذرون، لاسيما الأطباء وطبيعة الفكر في قطاع الصحة لا تتكيف مع العالم المتغير.”

رغم ذلك يثق كليمان بوجود إمكانات هائلة، وخير مثال على ذلك مجال علم الأعصاب. ويقول كليمان “نحن حقاً في بداية الطريق إلى محاولة فهم العقل البشرية وطريقة عمله”. مع تقدم السكان في العمر، زاد انتشار أمراض مثل الزهايمر وباركنسون والصرع بمعدلات تفوق ما كانت عليه قبل 50 عاماً. ورغم استثمار المليارات في البحث عن أدوية جديدة لمعالجة هذه الأمراض، لم تُجدي هذه الأدوية سوى القليل من النفع. وفي ذلك يقول كليمان “نحن بحاجة ماسة إلى تغيير مسارنا نحو طريق آخر.” ويُضيف “اعتمدنا في الماضي اعتماداً أساسياً على الأدوية، أما الآن نتطلع إلى استخدام التكنولوجيا الطبية للوصول إلى الحلول. وهذا يعني البحث في الكهرباء والضوء والموجات فوق الصوتية.”

أحد الحاضرين في مؤتمر تكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات في اليابان عام 2019 وهو يرتدي نظارة ثلاثية الأبعاد لتجربة نظام المجهر الجراحي الجديد أورباي "Orbeye".توموهيرو أوهسومي / غيتي إمدجز

من شأن هذا التغيير أن يعود بالنفع على المرضى إلى جانب مساهمته في تخفيف أعباء تكاليف الرعاية الصحية التي يقول فيها كليمان “يتطلب تطوير الأدوية تكلفة باهظة قد تتخطى أحياناً المليار دولار. وفي بعض الحالات الخاصة، مثل الأمراض النادرة، يمكن أن يصل السعر المفروض إلى مليون دولار سنوياً لعلاج مريض واحد. هل ينبغي علينا تطوير مثل هذا الدواء؟ أم ينبغي علينا التركيز على كيفية معالجة الاحتياجات الطبية الأخرى التي لم تُلب بعد والتي تؤثر تأثيراً كبيراً على المجتمع؟ هذه هي الأسئلة الأساسية التي يلزم طرحها.”، ويُضيف “نحن بحاجة إلى إيجاد حلول رعاية صحية أفضل بتكلفة أقل، وبحاجة أيضاً إلى إعادة توجيه جهودنا نحو توفير رعاية صحية ميسورة التكلفة ومتاحة للجميع على نطاق أوسع.

التكنولوجيا تصنع التغيير

تظهر النتائج الكبير للتطورات في مجال الصحة الذكية أو الصحة الرقمية جلياً. ويقول كليمان “دائماً كنا نسعى للمحافظة على خصوصية البيانات الصحية بينك وبين طبيبك. لكننا نسعى الآن إلى جمع البيانات للعثور على الاتجاهات والعلاجات باستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، وهو نهج جامع بديل للنهج الخاص الذي اتبعناه فيما مضى”، ويُضيف “لكن، سوف تُخرج لنا النتائج المزيد من العلاجات المصممة لتلبية الاحتياجات الفردية. أما في المستقبل، سوف تقودنا تقنيات معالجة البيانات الجديدة إلى تتبع نهج الطب الشخصي. لكن، لن يتحقق ذلك إلا في حال جمعنا أولاً وفرة من البيانات. فهناك العديد من الأمراض التي تنتشر في كل مكان في العالم. ولعل فيروس كوفيد19 أفضل مثال على ذلك. وهذا يوضح عدم وجود حدود قارية أو محلية تحول دون انتشار الأمراض. وعليه، نحن بحاجة إلى التفكير بطريقة مختلفة.” وقد نجحت مبادرات عالمية في تحقيق شيء من التقدم في هذا الاتجاه وأزاحت العقبات التي تحول دون مشاركة البيانات عبر الحدود، مثل مبادرة الاتحاد الدولي لبحوث الأمراض النادرة، ومبادرة التحالف العالمي لعلم الجينوم والصحة، ومبادرة نيوروداتا بلا حدود. وتعد دراسة العقل أحد الحقول التي تنطوي على إمكانيات هائلة حيث يسود التعاون العالمي فيما يتعلق بمشاركة البيانات والبنية الأساسية.

تدعم طرق العلاج الرقمية برامج التأهيل العصبي لمرضى السكتة الدماغية أو مرضى الشلل الرعاشي أو باركنسون. وتمكن شركة مايندماز "Mindmaze" السويسرية المرضى من ممارسة الحركات باستخدام جانبهم المُعافى من جسدهم والإيحاء إلى العقل بأن الجانب المصاب بالشلل قادر على الحركة.مايندماز

ويرى كليمان أن من شأن هذا النهج الجديد أن يعود بالكثير من المنافع على المرضى في البلدان المتقدمة وكذلك المرضى في جميع أنحاء العالم، ويُصرح “النهج الذي نتبعه اليوم هو نهج الأنانية المطلقة. أنت تُعالج نفسك وتُصارع مرضك عن طريق الذهاب إلى طبيبك، ومعاملة فردية كهذه مقصورة على الدول الغنية. لكن المرض لا يُصيب فقط الأثرياء. ولذلك، يتوجب علينا التركيز على تلبية احتياجات السكان. وإذا كانت رؤيتنا التكنولوجية لا تتوافق مع هذا، فربما لا ينبغي علينا تطويرها.”

دعوة إلى إحداث تأثير
1 يجب أن تبذل شركات تصنيع الأغذية مزيداً من الجهد لتشجيع المستهلكين على تناول الفاكهة والخضروات والحبوب الكاملة، وذلك من خلال طرحها في الأسواق بأسعار ميسورة وفي متناول الجميع. 2 يجب أن توفر الحكومات سُبلاً للتخفيف من حالات القلق حيال الخصوصية فيما يتعلق بجمع وفرة من البيانات لتطوير علاجات أكثر تخصيصاً. ينبغي استخدام التقنيات الحديثة في تطوير قطاع رعاية صحية بتكلفة ميسورة وخدمات متاحة على نطاق واسع عوضاً عن استخدامها في تطوير حلول تصل فقط إلى القادرين على تحمل تكاليفها.
اقرأ الموضوع التاليالتقنيات الحديثة تغير مجال الرعاية الصحية