الدول النامية

البناء على الثقة

في العام 1994، شهدت رواندا أسوأ عمليات الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث. واليوم، لديها أحد أفضل النظم الصحية في أفريقيا. تشرح أغنيس بيناغواهو، وزيرة الصحة الرواندية السابقة، كيف تحقق ذلك.

Uli Knörzer

تأثير: عدتي إلى رواندا من فرنسا بعد المذابح العرقية في العام 1994. ما التغيير الذي كنتِ شاهدة عليه منذ ذلك الحين؟                                                                     

أغنيس بيناغواهو: التغيير الأكبر هو إعادة بناء النسيج المجتمعي. كنا بلد المليون قتيل. قتل الجيران بعضهم البعض بأبشع الوسائل. وفي المقابل، كان هناك أبطال أنقذوا آخرين، ولكن عندما عدت في عام 1994، كان انعدام الثقة سائداً، لدرجة أنك لا تستطع أن تترك كوب مشروبك خوفاً من أن يدس لك السم فيه أحدهم. لذلك كان من الضروري إعادة بناء الثقة وتمهد كل السبل للسلام والمصالحة وتكريم الضحايا. وأن تكون الرسالة هي أن الناس ليسوا سيئين في جوهرهم؛ ولكنهم صاروا كذلك بسبب القيادة السيئة.

كيف تطورت المنظومة الصحية منذ العام 1994؟

عندما تكون مريضاً ضعيفاً، فلن تسعى للحصول على رعاية صحية من أشخاص لا تثق بهم. ببناء الثقة، أمكننا تحقيق أفضل معدل لتطعيم الأطفال في العالم. إن السماح بتطعيم الطفل فعل ينم عن ثقة الأب أو الأم، لأن هذا الطفل ليس مريضاً ومع ذلك ستجعله يبكي وسوف تصيبه بالحمى عند إعطائه حقنة التطعيم. فيجب أن يعتقد الأبوان أن التطعيم يساعد طفلهم. وفي عام 2018، استطلعت مؤسسة Well­come Trust آراء أشخاص من 104 دولة حول الثقة في أنظمة الرعاية الصحية الوطنية في بلادهم، وجاءت رواندا في المقدمة. رواندا بلد فقير ومع ذلك لدينا معدلات بقاء أفضل من بلدان يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي ثلاثة أضعاف. ولم يتأتى ذلك صدفة، ولكن لأننا نجحنا في خلق الطلب على الرعاية الصحية، وعماد هذا الطلب هو الثقة.

كيف زرعتم مبدأ الثقة في منظومات الرعاية الصحية لديكم؟

أعتقد أن عليكم أن تنظروا إلى الأمر بطريقة أخرى. لقد منحنا الناس الحق في تقرير مصيرهم ومن ثم كانت الثقة. وكانت إحدى السياسات الأولى التي اعتمدتها وقت كنت وزيرة للصحة هي أن تكون مشاركة المجتمعات في الرعاية الصحية التزاماً قانونياً. فعلى مستوى المجتمع، يطلب القانون من الناس انتخاب عاملي الخدمات الصحية الذين يثقون بهم. وبعد ذلك، يكون على الوزارة تدريبهم. ويتم انتخاب أربعة عاملين صحيين لكل قرية. وهم مسؤولون عن صحة المرأة والطفل، الأمراض الشائعة، نمو الطفل، وسوء التغذية. ويختار أعضاء المجتمع أشخاصاً ليكونوا أعضاء في مجلس إدارة المركز الصحي الخاص بهم، للتأكد من أن رضاهم عن الرعاية التي يتلقونها. فعملية المشاركة الأساسية هذه مفتاح السياسات الصحية في رواندا.

ببناء الثقة، أمكننا تحقيق أفضل معدل لتطعيم الأطفال في العالم.


كيف تعاملت رواندا مع مشاكل الصحة العقلية في أعقاب ما جرى في 1994؟

لنبدأ بالصدمة النفسية لدى من نجوا. فهم لم يتلقوا أي رعاية صحية متخصصة، فلم تكن هناك سياسة للصحة العقلية قبل عام 1994. كان لدينا مستشفى للصحة العقلية به 100 سرير وطبيب نفسي واحد. ولذلك، قررنا الاعتماد على المجتمع في تخفيف الآلام، وقمنا بتغيير المواقف والتوجهات فيما يتعلق بالتعبير عن الصدمة. قلنا لهم: “لا تحاولوا إخفاء هذا الألم أو التظاهر بأنه غير موجود”. تعلق الأمر بتعاضد المجتمع وتآزره. قبل عامين اكتشفنا أن هناك صدمة مستمرة عبر الأجيال. وكان الأطفال يتحولون إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، مثل تعاطي المخدرات، بسبب تصرفات آبائهم. وتصرفنا بنفس الطريقة، وطلبنا من الناس التحدث بصراحة وعدم إنكار. وأطلقنا برامج لتعليم علماء النفس الإكلينيكيين اكتشاف الصدمات المتواصلة عبر الأجيال. ونعمل كذلك من خلال المدارس للتعرف على الأطفال الذين يعانون من مشاكل. كنا بحاجة إلى إيجاد حل محلي مبتكر لهذه الصدمة الوطنية، بحيث يشارك كل رواندي في إيجاد الحل.

نبذة

دكتورة أغنيس بيناغواهو

نائبة رئيس جامعة المساواة في الصحة العالمية
حاصلة على درجة الدكتوراه في طب الأطفال، وعادت إلى رواندا من فرنسا في عام 1994، واستقرت بها بشكل دائم في العام 1996. شغلت منصب السكرتير التنفيذي للجنة الوطنية لمكافحة الإيدز، ومن ثم وزيرة الصحة. وهي اليوم نائب رئيس جامعة المساواة في الصحة العالمي التي شاركت في تأسيسها في رواندا، بهدف تغيير آليات تقديم خدمات الرعاية الصحية على مستوى العالم. اختيرت بيناغواهو بين أكثر 100 سيدة إفريقية تأثيراً للعام 2020.

تعاني إفريقيا قلة أصحاب المهارات في الخدمات الصحية. كيف تتعامل رواندا مع هذه المشكلة فيما يتعلق بالصحة العقلية؟

بعد العام 2000، بدأنا في تدريب ممرضات وممرضي الطب النفسي وإلحاقهم في كل مستشفى ثم في كل مركز صحي. وقمنا بتدريب العاملين الصحيين المجتمعيين على التعرف على العلامات الخطيرة ومعرفة من تستدعي حالته نقله إلى شخص أكثر تأهيلاً. ويوجد في كل مستشفى أطباء تلقوا تدريباً في مجال الصحة العقلية، يعرفون متى يحيلون مريضاً إلى طبيب نفسي أو يعودون به إلى المركز الصحي. وأنشأنا مؤخراً للتو أداة فحص سريع للكشف عن الأطفال المعرضين لخطر الاكتئاب. ونحن بصدد إنشاء بنية قائمة على قدرات الدولة. إننا لا نقوض المهارات المتخصصة، ولكننا نتبنى مشاركة المهام. كما أنشأت رواندا برنامجاً يسمى الموارد البشرية للقطاع الصحي، بالشراكة مع 23 مؤسسة أمريكية للتعليم العالي، وهو يهدف إلى تنفيذ إقامات مهنية وبدء تخصصات لتدريب الأطباء النفسيين في رواندا.

يدور نقاش حول أن لدى إفريقيا فرصة تحقيق قفزة نوعية من خلال الحلول المبتكرة للتقنية الحديثة في مجال الرعاية الصحية. إلى أي مدى يتحقق ذلك في رواندا؟

إن كانت هناك فرصة لتحقيق قفزة نوعية، فلسوف نسعى لاقتناصها. فعلنا ذلك عند علاج الإيدز وخلال تنفيذ برنامج التطعيم. ولنتحدث مثلاً عن التعامل مع فيروس كوفيد-19، فعند قيام العاملون الصحيون بقياس درجات الحرارة أثناء علاج المرضى، فإنهم بذلك يواجهون خطر الإصابة بالعدوى. لذلك نستخدم الروبوت في قياس درجات الحرارة. وجدنا شركة تنتجه واختبرناه والآن نستخدمه لتقليل المخاطر التي يتعرض لها العاملون. أما المجال الآخر فهو تنظيم القطاع الصحي. نحن فخورون بنظام المعلومات الصحية لدينا. فعلى سبيل المثال، إذا قدم عامل مجتمعي علاجاً للملاريا، فإنه يحدث البيانات على الخادم بهاتفه، ويتم جمع المعلومات على مستوى المنطقة، ويكون بمقدور وزير الصحة أن يتابع شهرياً عدد العلاجات التي نفذت. كما أن الطائرات بدون طيار نموذج آخر؛ حيث نستخدمها في إرسال الأدوية أو معدات إغاثة الحياة لاختصار رحلة برية مدتها أربع ساعات إلى 25 دقيقة فحسب.

إن كانت هناك فرصة لتحقيق قفزة نوعية، فلسوف نسعى لاقتناصها. فعلنا ذلك عند علاج الإيدز وخلال تنفيذ برنامج التطعيم.


تخشى منظمة الصحة العالمية من تأثير تفشي فيروس كوفيد-19 في برامج التحصين من الأمراض. كيف تتعامل رواندا مع هذا الخطر؟

في دول أخرى، لا يرغب الناس في الذهاب إلى المستشفى خوفاً من الإصابة بالفيروس. أما في رواندا، فإذا كنت تشك في إصابة شخص ما بالفيروس، فيكون عليك الاتصال برقم خاص ومن ثم تنقله سيارة إسعاف إلى مركز خاص. وللتأكد من أننا نحمي النظام الصحي، لا يُسمح لك بالذهاب إلى المستشفى وأنت حامل للفيروس. لست مضطراً لمغادرة منطقتك للحصول على التطعيم، لأن كل منطقة بها العديد من المراكز الصحية. وكذلك تمكنا من الحفاظ على إمداداتنا من اللقاحات طوال فترة تفشي المرض. وبمقارنة أعداد اللقاحات بعدد المواليد، نرى أننا نجحنا في التعامل مع هذه المشكلة.

تُحفظ المعلومات الأساسية عن الحوامل في قاعدة بيانات RapidSMS، بما يمكّن العاملين في الخدمات الصحية من تنسيق رعايتهن مع المستشفيات.ستيفاني أغليتي / غيتي إمدجز

تتفشى الأمراض غير السارية في إفريقيا. ما هي إجراءات الصحة العامة التي تنفذونها للوقاية من المرض؟

لطالما كنا مهتمين للغاية بهذه المشكلة، بعد أن رأينا كيف تحولت الصين من المعاناة من مشاكل سوء التغذية إلى مشاكل السمنة. ونفذنا عدد من الدراسات ووجدنا أن لدينا مستويات غير متوقعة من الإصابة بالسمنة. وهي معدلات ليست مرتفعة، ولكنها غير متوقعة. وهكذا جعلنا من التدريبات البدنية قضية دولة. وقبل تفشي كوفيد-19، كانت جميع المؤسسات العامة تغلق أبوابها كل يوم جمعة حتى يتفرغ الناس لممارسة الرياضة. وخصصنا يوماً من كل شهر في كيغالي ليكون يوماً بلا سيارات، حتى نشجع الجميع على المشي في أرجاء المدينة. وهكذا، كنت ترى الوزراء، جيرانك، بل حتى الرئيس وهو يمشي إلى جوارك. إنها تجربة ممتعة وخاصة أنك تمارس الكثير من التمارين. وطبقنا التجربة في مزيد من المناطق. اعتاد الناس ممارسة الرياضة كل أسبوع، وننظم مباريات كرة القدم بين فرق من البرلمان والوزارات. ورسالتنا هي أن ممارسة الرياضة تجنبك الإصابة بالأمراض غير السارية. أما الرسالة الأهم فهي أننا ننفذ ما نقول به.

الإتاحة للجميع من أهداف التنمية المستدامة. كيف تحققون ذلك الهدف في رواندا؟

لا تستطيع الدولة توفير رعاية صحية مجانية ولا يمتلك الناس المقدرة على دفع قيمتها. لذا، فإن الشيء الوحيد الذي يجب فعله هو تكييف التأمين الصحي ليتواءم مع ثقافتنا. كما أن لدينا نظام فعال مع أعلى مستوى من الانتساب. يوجد تأمين صحي لأفراد الجيش والشرطة، لدينا تأمين لموظفي الخدمة المدنية، لدينا تأمين خاص، ولدينا تأمين صحي مجتمعي، وهو إلزامي ويكلف 5 دولارات للفرد سنوياً. أما أفقر 25 في المائة من بين السكان فلا يدفعون شيئاً، وتدفع الحكومة عنهم. وعند نقطة الرعاية، لا يكون عليك سوى دفع 10 في المائة من التكلفة، لأننا لا نريد أن يعتقد الناس أن الرعاية الصحية لا تكلفنا شيئاً. واليوم، لدينا شريحة كبيرة يتقدم بها العمر، وعلينا إيجاد طريقة للتعامل بشكل جيد مع أمراضهم المزمنة؛ أي أن علينا تكييف المنظومة بينما نطورها.

رواندا بلد فقير ومع ذلك لدينا معدلات بقاء أفضل من بلدان يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي ثلاثة أضعاف. ولم يتأتى ذلك صدفة.


ما هو أملك للتقدم الذي سوف تحققه رواندا في مجال الرعاية الصحية في غضون العشرين عاماً المقبلة؟
ما يزال الدرب طويلاً قبل أن نصل إلى حيث نريد. نفتقد الرعاية الطبية المتقدمة، مثل جراحات القلب. ننقذ الناس من السل والإيدز، ولكنهم قد يموتون بنوبة قلبية. أسعى إلى الاستمرار في التطوير حتى تتوافر للجميع خدمات رعاية في جوانب أكبر. وأرغب في استمرار إتاحة الرعاية، وتنمية المجتمعات حتى يكون بوسع كل شخص أن يساهم في هذا التطور. أريد رعاية صحية أكثر اندماجاً في المجتمع. ولهذا أنشأنا جامعة “العدالة الصحية الشاملة” جامعة المساواة في الصحة العالمية، لكي نشجع التنمية التي تركز على المجتمع والتي تكون الصحة أساسها، ومتاحة لكل فرد، وخاصة الضعيف والمحتاج.

دعوة إلى إحداث تأثير
يجب على الحكومات بناء الثقة في أنظمة الرعاية الصحية من خلال تمكين المجتمعات من المشاركة في تقديم الرعاية الصحية. 2 يجب التركيز على الوقاية من الأمراض غير الشارية؛ ومن سبل ذلك على سبيل المثال توفير المزيد من فرص ممارسة الرياضة. يجب اغتنام كل فرصة لاستبدال حلول الرعاية الصحية التقليدية بأخرى تطبق تقنيات جديدة.
اقرأ الموضوع التاليالوصفة السليمة