الدول المتقدمة

إعداد العدة لمستقبل الرعاية الصحية

د. برتالان ميسكو،عالم مستقبل الطب يكتب مقالاً عن دور الخدمات الصحية الرقمية في قطاع الرعاية الصحية خلال القرن الحادي والعشرين.  

أولي نورزير
نبذة

د. برتالان ميسكو

يحلل عالم مستقبل الطب ومدير معهد Medical Futurist كيف يمكن أن تتحول تقنيات الخيال العلمي إلى حقيقة في مجال الطب والرعاية الصحية. وهو طبيب حاصل على درجة الدكتوراه في علم الجينوم، وعقد دورات في جامعات هارفارد وستانفورد وييل، وكذلك في جامعة سينغولاريتي. وأحد أقدر الخبراء على مستوى العالم في مجال تكنولوجيا الرعاية الصحية. للمزيد: www.medicalfuturist.com

في العام 2031، يستيقظ جون في شقته ويلتقط جهاز الدردشة الآلية الصغير القائم على الذكاء الاصطناعي. إنه رفيقه في كل مكان طوال اليوم، وحلقة الوصل بينه وجميع بياناته وعاداته وقنواته الرقمية. ويوقظ جون من نومه الخفيف صباحاً بمنبه ذكي يحرص على أن يشعر بالنشاط طوال اليوم. ويختار إفطاره من قاعدة بيانات تتطابق مع نتائج تسلسل الميكروبيوم والجينوم الخاص به وبأفضل أنواع الطعام للحفاظ على صحته. ويعرفه عندما تتغير أي من معلماته الصحية الرئيسية أو العلامات الحيوية ويقارن النتائج بملايين الدراسات الطبية وخبرات الأطباء المتاحين في السحابة الإلكترونية. وإذا كان هناك أي شيء يتعين على جون القيام به، فإنه يتلقى منه تعليمات واضحة، مع استخدام “التلعيب” لمساعدته على الالتزام بالحل. فهو يعتني به دون أن يلاحظ ذلك.

تواجه الرعاية الصحية تحديات غير مسبوقة؛ فهناك عدد متزايد من المرضى الذين يعانون أمراض مزمنة؛ نقص عالمي في العاملين في مجال الرعاية الصحية، فهم في حدود 5 ملايين عامل ويتزايدون؛ مع استنزاف الأطباء والنقص المالي لقطاع الرعاية. وأدت ثورة التقنيات وتوافرها والمعلومات والمفهوم العام للإنترنت إلى زيادة وطأة هذه التحديات في القرن الحادي والعشرين.

وكانت نتيجة ذلك تنازل الطب عن برجه العاجي؛ فمن قبل كانت المعلومات والمعرفة والدراسات والتقنيات قاصرة على النخبة الطبية، وربما المهنيين الطبيين أيضاً. ومع انتشار الإنترنت، بدأ المرضى يصلون إليها. وتوافرت عبره دراسات وأبحاث، وتقنيات عن بعد دون وسيط، وتبادلت وسائل التواصل الاجتماعي المعارف؛ مما أدى إلى امتلاك المريض لأدوات عدة.

يتواجد المرضى عن بعد على الشبكة، ويشاركون رؤاهم ويبحثون عن آراء غيرهم من المرضى، ويقيسون البيانات، ويجري تتبع حالتهم ورعايتهم. ويتطلب العمل معهم مجموعة مهارات مختلفة وخبرة في العمل باستخدام التقنيات المتقدمة والحكم على كيفية تطبيق التقنيات في الرعاية اليومية.

إنني أتيقن من قدرة الصحة الرقمية على الانتقال بالرعاية الصحية إلى القرن الحادي والعشرين.


وكذلك يتغير دور كل طرف معني في قطاع الرعاية الصحية. ولم يعد المتخصصون في المجال الطبي حملة مفاتيح ذلك البرج العاجي، ولكنهم يرشدون المرضى عبر غابة المعلومات الصحية والرقمية. ويتعين على صانعي السياسات التصرف بشكل أسرع عند تنظيم التقنيات الجديدة. ويحتاج مزودو الخدمات إلى تحليل مجموعات البيانات الضخمة لتحسين فعالية الرعاية وسلامتها وكفاءة تكاليفها باستمرار. كما يتجه الباحثون نحو البيانات التي يتم قياسها والحصول عليها من أجهزة الاستشعار وتطبيقات الهواتف الذكية التي يستخدمها المرضى.

تيسر تلك النقلة تقنيات الصحة الرقمية التي تغير العلاقة بين الطبيب والمريض وأساسيات الرعاية الصحية. فالرعاية الصحية في القرن الحادي والعشرين مفتوحة للبيانات والمعلومات التي يثريها المرضى. وصارت عالمية شاملة بفضل إتاحة التقنيات والرعاية عن بعد التي تقدمها الشركات في البلدان والأنظمة الأخرى، والتي تهتم بالمريض وفريقه الطبي.

وتتحول نقطة الرعاية من المرافق إلى أي مكان يتواجد فيه المريض. فإذا كان المرضى هم نقطة الرعاية، فيمكن تقديم التشخيص والعلاج عن بعد؛ ويمكن أن يشارك المرضى في رعايتهم بأنفسهم، مما يخفف العبء على المهنيين الطبيين؛ كما يمكن تقليل أوقات الانتظار والتكاليف مع تحسين مستوى رضا المرضى وتطوير السمات الرئيسية للرعاية الجيدة؛ بحيث تكون أكثر تماشياً وشخصية المريض، ومتاحة بدرجة أكبر وبأسعار معقولة وذات صبغة وقائية وإنسانية.

وحتى تكون النقلة سلسة وذات فائدة للمرضى، فمن المهم إعداد العاملين في مجال الرعاية الصحية والمرضى وواضعي السياسات لها. وهنا تبرز أهمية مفهوم “تصميم المريض”، بما يعني دعوة المرضى إلى المشاركة في أعلى مستوى لصنع القرار في المؤسسات والمشاركة في تصميم العمليات والمنتجات والتقنيات لهم من الخطوة الأولى.

أولي نورزير

وهناك حاجة إلى إعادة صياغة المناهج الطبية بغية إعداد المهنيين الطبيين لاستخدام التقنيات المتقدمة والتعامل مع المرضى الذين يمتلكون أدواتها. وأبرزت الدراسات مشكلة استنزاف الأطباء في جميع أنحاء العالم. ومن بين أسباب ذلك التحديات التكنولوجية التي لا يمكن السيطرة عليها. فيجب تدريب الأطباء مستقبلاً بشكل مختلف. وتحدد المبادئ التوجيهية، مثل دليل الصحة الرقمي الذي أصدرته الجمعية الطبية الأمريكية، الخطوات الرئيسية وأفضل الممارسات والموارد التي من شأنها تسريع اعتماد حلول الصحة الرقمية وتوسيع نطاق تطبيقها.

وسوف يصبح المرضى شركاء نشيطين في التعامل مع حالاتهم، بدلاً من كونهم متلقين سلبيين للرعاية. وسوف تساعد البيانات المستمدة من أجهزة الاستشعار الصحية والأجهزة القابلة للارتداء والتطبيقات الصحية في تحليل الاتجاهات السائدة في صحة الأفراد والسكان والتنبؤ بها. ولكن هذا شريطة أن يكون الأطباء شركاء إرشاد وتوجيه.

ترتبط مشاركة المريض وإدارة الأمراض المزمنة من خلال ثلاث طرق؛ الوقاية من الحالة واكتشافها؛ إدارة الحالة مع مزود الرعاية؛ والإدارة الذاتية. ولتمكين المرضى من رعاية أنفسهم والتعامل مع أمراضهم، على مزودي الخدمات توظيف الصحة الرقمية بالمعنى التكنولوجي والثقافي. ويجب أن تؤكد مناهج كلية الطب على هذا إلى جانب الصحة والوقاية، بدلاً من التركيز على الأمراض وعلم الأمراض فقط، كما يجب على طلاب الطب الاستعداد للعمل في البيئات التنبؤية والاستباقية.

وأخيراً، يحتاج صانعو السياسات إلى مساعدة في وضع لوائح أفضل لهذه التقنيات المتقدمة من خلال إشراك مبتكري تلك التقنيات. وخير مثال على ذلك حركة #wearenot­wait­ing عبر تويتر للمرضى الذين يعانون من مرض السكري. فقد صممت دانا لويس، التي أطلقت هذه الحركة، وزوجها ما أسمته بنكرياس اصطناعي في المنزل ونشرت المخططات والمعرفة على تويتر لمرضى السكري الآخرين. وكانت تستخدم الجهاز لمدة عامين تقريباً قبل أن تعتمده إدارة الغذاء والدواء الأمريكية رسمياً مؤخراً.

كما يجب أن نتأكد من أن التوسع في الصحة الرقمية ليس سبباً في مزيد من تفاوت تقديم الخدمات الصحية في المجتمع. وهنا تتزايد أهمية التحقيق في الآثار الاجتماعية والعواقب المترتبة على الرقمنة. وارتبط ارتفاع متوسط العمر وانخفاض الدخل وتراجع التعليم وأنماط العيش المنفرد والعيش في المناطق النائية بانخفاض مستوى استخدام الصحة الرقمية. وتشمل الحلول المقترحة تقديم الدعم الاجتماعي المخصص، والاستعانة بأنواع مختلفة من خدمات الإنترنت في تقديم تقنيات الصحة الرقمية، وإشراك المرضى في تطوير التدخلات الصحية الرقمية.

ومن خلال هذا التحضير، سوف يمكن حماية خصوصية المرضى في منظومة الرعاية الصحية القائمة على التكنولوجيا وتجنب المشكلات الأخلاقية التي من شأنها أن تعيق تطبيق الصحة الرقمية.

التحديات عديدة، ولكنني عندما أنظر إلى تلك الحركة العالمية لتمكين المرضى، وحماس بعض المهنيين الطبيين، وإلى السياسات التي تنفذها حكومات مثلما في الدنمارك أو نيوزيلندا، فإنني أتيقن من قدرة الصحة الرقمية على الانتقال بالرعاية الصحية إلى القرن الحادي والعشرين.

دعوة إلى إحداث تأثير
يجب منح المرضى دوراً رئيسياً في تصميم عمليات ومنتجات وتقنيات الرعاية الصحية. يجب تدريب الأطباء على العمل بشكل تنبئي واستباقي، مع التركيز على الصحة والوقاية وكذلك الأمراض وعلم الأمراض يجب وضع سياسات تكفل إتاحة مزايا الرعاية الصحية الرقمية لأفراد المجتمع.
اقرأ الموضوع التاليالاستثمار مجزٍ في مجال الرعاية الصحية